ابن كثير

70

طبقات الشافعية

ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته * بعفوك ربّي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذّنب لم تزل * تجود وتعفو منّة وتكرّما فإن تنتقم منّي فلست بآيس * ولو دخلت نفسي بجرمي جهنّما فلولاك لم يصمد لإبليس عابد * فكيف وقد أغوى صفيّك آدما وإنّي لآتي الذّنب أعلم قدره * وأعلم أنّ اللّه يعفو ترحّما وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر : أخبرنا أبو الفضل محمّد بن حمزة بن إبراهيم الفزاري أخبرنا والد أبي يعلى حمزة بن إبراهيم حدّثنا الشّيخ إسماعيل بن موسى النّفيلي حدّثنا الشّيخ أبو بكر محمّد بن نصر حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد الخطيب ، قال : سمعت أبا عبد اللّه أحمد بن محمّد بن شاكر يعني في كتابه مناقب الشّافعي ، قال : سمعت المزني قال : دخلت على الشّافعي عند وفاته فقلت له : كيف أصبحت يا أستاذ ؟ . فقال : أصبحت من الدّنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولكأس المنيّة شاربا ، وعلى اللّه واردا ، ولسوء أعمالي ملاقيا ، فلا أدري إلى الجنّة تصير فأهنّيها أو إلى النّار فأعزّيها ، فقلت : عظني فقال لي : اتّق اللّه ومثّل الآخرة في قلبك ، واجعل الموت نصب عينيك ، ولا تنس موقفك بين يدي اللّه ، وكن من اللّه على وجل ، واجتنب محارمه وأدّ فرائضه ، وكن مع اللّه حيث كنت ، ولا تستصغرنّ نعم اللّه عليك وإن قلّت ، وقابلها بالشّكر ، وليكن صمتك تفكّرا وكلامك ذكرا ، ونظرك عبرة ، واعف عمّن ظلمك ، وصل من قطعك ، وأحسن إلى من أساء إليك ، واصبر على النّائبات ، واستعذ باللّه من النّار بالتّقوى . فقلت : زدني ، فقال : ليكن الصّدق لسانك ، والوفاء عمادك ، والرّحمة ثمرتك ، والشّكر طهارتك ، والحقّ تجارتك ، والتّودّد زينتك ، والكياسة فطنتك ، والطّاعة معيشتك ، والرّضا أمانتك ، والفهم بصيرتك ، والرّجاء اصطبارك ، والحقّ جلبابك ، والصّدقة حرزك ، والزّكاة حصنك ، والحياء أميرك ، والحلم وزيرك ، والتوكّل درعك ، والدّنيا سجنك ، والفقر ضجيعك ، والحقّ قائدك ، والحجّ والجهاد بغيتك ، والقرآن محدّثك ، واللّه مؤنسك ، فمن كانت هذه صفته كانت الجنّة منزلته ، ثمّ رنا بطرفه إلى السّماء ، ثمّ استعبر ، وأنشأ يقول :